مقالات وآراء

يكتبها لكم أخوكم المحامي جاسم عبدالرحمن العبدلي


وكلاء الوزارات والكويتي بالتأسيس

قد لا يخلوا حديث عن تعيين قيادي في الحكومة سواء أكان ذلك التعيين (وكيل وزارة أو وكيل وزارة مساعد) إلا و يُذكر عينوا فلان وفلان واستبعدوا فلان لأن جنسيته ماهي تأسيس.

هذا الحديث يتداول لفترة ثم يختفي وهكذا دون أن يكون له سند أو أساس قانوني يرتكز عليه إلا أن تداول في الفترة الأخيرة وبكثرة بسبب وجود هذا الكم من القيادات الشاغرة دون أن يصاحبها تسكين وهو ما جعل النائب المحترم مبارك الحجرف إلى تقديم رسالة في مجلس الأمة يطلب فيها تكليف اللجنة التشريعية لبحث عما إذا كان هناك قرار أو تعميم شفوي من مجلس الوزراء يحظر فيه التعيين في الوظائف القيادية للمتجنس ويحصرها للكويتيين بالتأسيس وفي نفس الجلسة أجاب وزير الدولة لشؤون مجلس الأمة الفاضل/ عيسى الكندري بأنه لا يوجد تعميم من قبل مجلس الوزراء في هذا الشأن.

مداخلة وزير الدولة تعود بنا إلى المربع الأول وإلى القصة المتداولة أول المقال وكيف جاءت وهل لها سند في قانون الخدمة المدنية وتعديلاته أو هناك بالفعل تعاميم قديمة تطبق (حسب الوضع العام) خاصة وأن هناك العديد من القياديين قد تعينوا وجنسيتهم ليست بالتأسيس وهناك أيضاً من استبعد بسبب جنسيته وهو ما دعاني للبحث عن أصله وكيف نشأ.

في البداية يجب أن نشير إلى أن المرسوم في شأن نظام الخدمة المدنية حسب آخر تعديلاته وفي المادة (1) تحديداً اشترطت في التعيين في الوظائف العامة أن يكون كويتي الجنسية … إلى آخر المادة كما إن المادة (30) منه – المضافة بمقتضى المرسوم رقم 338 لسنة 2018 – قد أوردت شروطاً في شغل الوظيفة القيادية الشاغرة في الهيكل التنظيمي المعتمد للجهة الحكومية وقد خلت الشروط تماماً عن ذكر الجنسية بالتأسيس وان اعتماد التعيين يكون حسب ما جاء في المادة (1) المذكورة سلفاً وهو أن يكون كويتي الجنسية فقط، طيب شالقصة؟

قد لا يتبادر في ذهن القارئ أن هذا الموضوع قد أحدث ضجة كبيرة في المجلس التأسيسي واستحوذ على معظم أوقاته وتداول في أكثر من جلسة حيث طرح الموضوع لأول مرة عند مناقشة المادة 125 من الدستور والتي تنص على أن يشترط فيمن يولى الوزارة الشروط المنصوص عليها في المادة 82 من الدستور وهي أيضاً تشترط في أن يكون عضو مجلس الأمة أن يكون كويتي الجنسية بصفة أصلية وطلب في حينها المرحوم عضو المجلس التأسيسي السيد أحمد خالد الفوزان أن يكون الوزير أو وكيل الوزارة أو مساعد وكيل الوزارة ذات الاشتراطات المنصوص عليها في المادة 82 من الدستور وهذا ما اعترض عليه الدكتور عثمان خليل عثمان أن هذا الكلام موضوعه ليس في الدستور إلا بالنسبة للوزراء لأن الدستور يتناول الوظائف ذات الطابع السياسي أما من يلون الوزير من الموظفين كوكيل الوزارة أو غيره فهؤلاء مكانهم ليس في الدستور انما يكون الحديث عن شروطهم في قانون الموظفين ، وطلب أيضا النائب المرحوم أن يكون التعيين للكويتي بالتأسيس وهو ما جعل النقاش يحتدم في القاعة وتدخل الرئيس المرحوم عبداللطيف محمد الغانم تأجيل نظرها وبحثها في اللجان المختصة حيث أن القضية المنظورة أمامهم مناقشة مواد الدستور المرفوعة إليهم من لجنة الدستور لا ببحث مواضيع جديدة خاصة وان مكان ما طرح في قانون الموظفين لا الدستور.

وفي جلسة أخرى من جلسات المجلس التأسيسي تقدم المرحوم السيد مبارك الحساوي باقتراح حول تعديل قانون الوظائف العامة وأنه يجب أن يتولى الوظيفة الكبيرة الكويتي الأصيل وهذا حق من حقوق المواطنين وتحدث النائب سعود العبد الرزاق الذي شكر لجنة الدستور التي أخذت قرارها بالإجماع على أن تشرح في المذكرة التفسيرية أن الوزير ووكيل الوزارة ومساعده يجب أن يكونوا كويتيين (حيث أن في هذه الفترة يشغل الوافدين العديد من المناصب القيادية في الجهات الحكومية) ثم أكمل أن الموضوع هذا قد انتهى ، ثم تحدث أيضاً النائب يوسف المخلد بأن هناك اقتراح رفع إلى مجلس الوزراء وسيحال إلى ديوان الموظفين حول تعديل قانون الوظائف العامة وطلب الإسراع في هذا الموضوع ، وبعدها وافق المجلس على إحالة الاقتراح المقدم من النائب مبارك الحساوي إلى مجلس الوزراء كتوصية من المجلس التأسيسي.

وفي جلسة أخرى أيضاً عادت مناقشة المادة 125 من الدستور من جديد وتحدث الخبير الدستوري عن الاعتراضات السابقة للمادة ورغبة بعض الأعضاء بإضافة المناصب القيادية وانه تم الاتفاق على مناقشة ذلك عند عرض قانون الموظفين إلا أن النائب السيد أحمد الفوزان تحدث أن تكون هذه الوظائف أي الوزير ووكيل الوزارة أو مساعد وكيل الوزارة كويتيين بالتأسيس وأيده بذلك النائب سعود العبد الرزاق والنائب منصور المزيدي وأن توضع بالمذكرة التفسيرية للدستور  إلا أن النائب يعقوب الحميضي المؤيد للفكرة لكن خلافه أن توضع في قانون الموظفين لا الدستور ، وتحدث أيضا محمد يوسف النصف (وزير الشئون الاجتماعية والعمل) بأن الطلب النيابي يحمل كثيراً من المعاني كالتفرقة بين الشعب الواحد وأنه يرى أن الكل واحد المتجنسين والاصليين وطلب أن تدرس هذه المواد وأن لا نفرق بين المواطن الأصلي والمتجنس ، واقترح الشيخ صباح الأحمد على المجلس أن تؤجل الى ما بعد الجلسة لتناقش مناقشة سرية ، ورفض هذا الاقتراح من قبل رئيس المجلس الذي أكد أن مجال مناقشته في قانون الموظفين لا الدستور وأن الموضوع انتهى بالموافقة والاكتفاء بنص المادة 125 من الدستور والتي تختص بالوزراء فقط وهذا ما اعترض عليه أيضاً الأعضاء أحمد الفوزان وسعود العبدالرزاق وهددوا بالانسحاب من الجلسة إذا لم يتم وضع ذلك النص في قانون الموظفين (وهم يرون التعديل أن يكون مضمون قبل إقرار الدستور) حيث ان التوصية المرفوعة لمجلس الوزراء لم تكن إلزامية ولم تستجب لها الحكومة حتى تاريخ الجلسة المعقودة.

وإزاء هذا الاحتدام بالنقاش تحدث الشيخ جابر الأحمد وبين أن هذه المسألة لا توضع في الدستور وأن المجلس أقر بأن يكون وكيل الوزارة ووكيل الوزارة المساعد كويتيين بالأصل أو بالتأسيس فنحن مقرين…. وقاطعه النائب سعود العبدالرزاق إذا كنت مقر إذاً مافي داعي للنقاش، انتهينا إذا كانت ستوضع في قانون الموظفين أن الكرسيين للكويتيين المؤسسين، وأجابه الشيخ جابر الأحمد أن القانون سيأتي للمجلس وللمجلس أن يبدي رأيه في الموضوع.

وتحدث الشيخ سعد العبد الله أن لجنة الدستور بحثت الموضوع وأنه لا يجوز أن ينص في الدستور الكويتي على حرمان المتجنس من منصب وكيل الوزارة كما أفاد الخبير الدستوري أيضاً وإذا كان هناك رغبة من الأعضاء بحرمان المتجنس من تلك المناصب فالرغبة هذه تكون بقانون والمجلس قدم هذه الرغبة وسندرسها ونزود رأينا بالمجلس.

وفي تاريخ 6 نوفمبر من عام 1962 عقد المجلس التأسيسي لمناقشة المواضيع المطروحة أمامه ومنها التعديل على قانون الوظائف العامة المدنية تحدث رئيس المجلس هل توافقون على هذا القانون وهل تبقى كلمة تأسيس أم تستبدل بكلمة أصلية؟ فأجاب السيد أحمد الفوزان (لا بالتأسيس)، وعلق على ذلك الخبير الدستوري الدكتور عثمان خليل عثمان مطالباً الأعضاء بالتمهل حيث أن لفظ تأسيس أو مؤسس جاءت في قانون الجنسية بالنسبة للموجودين في الكويت قبل 1920 فقط وأن من جاء إلى الكويت بعد 1920 لا يدخلون ضمن هذه الفقرة وأن المشرع في قانون الجنسية فرق بين الكويتي الأصيل لا بالتأسيس بل الكويتي الأصيل والكويتي المتجنس فالكويتي الأصيل في المادة الأولى والثانية والثالثة والكويتي المتجنس منصوص عليه في المادة الرابعة والمادة الخامسة … وأنه لو قلنا كويتي بالتأسيس أصبح لا يشمل إلا المادة الأولى التي تستعمل لفظ تأسيس والمقصورة على الذين كانوا في الكويت قبل 1920 بمعنى الكويتي المؤسس أبناءه لا يطبق عليهم هذا اللفظ ولذلك قلنا أن نستعمل بدل لفظ بالتأسيس لفظة بصفة أصلية (الكويتي بصفة أصلية) واعترض على ذلك النائب احمد الفوزان وصمم على أن يكون بالتأسيس كما جاء لا بصفة أصلية وطلب الاحتكام للمجلس ، وبعد أن جرى التصويت جاءت النتيجة 32 صوت (بصفة أصلية) ، 5 أصوات (بالتأسيس) – والمصوتين عليها مع حفظ الألقاب (أحمد الفوزان، خليفة الجري، سعود العبدالرزاق، محمد معرفي، نايف الدبوس)، وامتنع عن التصويت محمد يوسف النصف.

ثم أعلن رئيس المجلس موافقة المجلس على استبدال كلمة التأسيس الواردة في مشروع القانون بتعديل المادة 12 من قانون الوظائف العامة بلفظ بصفة أصلية ورفع المشروع بالقانون إلى الحكومة.

وفي تاريخ 25 ديسمبر من عام 1962 عقد المجلس التأسيسي لمناقشة المواضيع المطروحة أمامه ومن بين هذه المواضيع قانون الوظائف العامة المعاد مرة أخرى حيث أعتبر أن القانون السابق ملغياً لعدم توقيع صاحب السمو عليه وتساءل النائب سليمان الحداد موجهاً كلامه للخبير الدستوري هل لنا الحق في إصدار قانون دون توقيع صاحب السمو؟ و تحدث النواب أحمد الفوزان وسعود العبد الرزاق بأن المجلس انتهى من النقاش في هذا الموضوع ويتمنون أن تكون قرارات المجلس محترمة وإذا كان هناك نقاش فسأنسحب كما جاء في مداخلة النائب سعود العبدالرزاق، كما تحدث النائب أحمد الخطيب أن المجلس اتخذ القرار ويرى بعدم بحث هذا الموضوع والاكتفاء بالقانون الموجود وأيده النائب يعقوب الحميضي الذي لخص المشكلة بأن مجموعة من الناس موجودة عندنا في الكويت اكتسبوا الجنسية و ترفعوا إلى المناصب واستغلوا مناصبهم بشكل يسيء إلى سمعة بلدهم الأصلية وأيد هذا الكلام أيضا النائب مبارك الحساوي.

وعلق على ذلك الخبير الدستوري الدكتور عثمان خليل عثمان الذي أكد أن من حق رئيس الدولة الامتناع عن تصديق مشروع قانون ويبقى في هذه الحالة كأن لم يكن ويقف عند المرحلة التي قر بها ويمكن للحكومة من جديد أن تتقدم بمشروع قانون آخر وهذا ما سلكته الحكومة الآن لاعتبارات معينة رآها الأمير وللمجلس مطلق الحرية أن ينظر للقانون بعد إحالته للجنة وهو ما تم على أن ترفع اللجنة تقريرها خلال الجلسة.

وبعد انتهاء عمل اللجنة المكلفة بدراسة الاقتراحات استأنفت الجلسة مرة أخرى وقررت اللجنة اجراء تعديل لتضاف مادة جديدة بعد المادة 13 منه تحمل رقماً 13 مكررا نصها يشترط فيمن يشغل وظيفة وكيل وزارة أو وكيل مساعد أن يكون كويتي الجنسية بصفة أصلية.

وتحدث الشيخ جابر العلي أن التعديل يفقدنا الكثير من الكفاءات التي من الصعب تعويضها، كما تحدث الشيخ جابر الأحمد أننا وافقنا على القانون في الأول والذي ينص على أن وكيل الوزارة والوكيل المساعد يجب أن يكونا كويتيين أصليين على أن يكون في المستقبل إلا أن الخبير أفاد بأن له أثر رجعي وحيث أننا لم نقصد أن يكون له أثر رجعي تقدمنا بالمشروع الأخير وأنا من مؤيدي ذلك ونشاطر المجلس في ذلك لكن حتى لا تتأثر سمعة الكويت في الخارج وحتى لا يقال أن الكويت الآن أصبحت إقليمية بعد ان كانت هي أول من تنادي بالوحدة وتنادي بالعروبة ولا نترك مجالاً للآخرين لأن يؤلوا هذا القانون لمصلحتهم فالحكومة رأت أن لا يوضع هكذا القانون حتى لا يؤثر على سمعتنا في الخارج لكن إذا رأى الأعضاء غير ذلك فنحن معهم.

وحدثت بعد ذلك ضجة في القاعة ثم تحدث رئيس المجلس هل نرى أن تعديل اللجنة نافذ المفعول؟ فرد عليه أغلب الأعضاء نعم نافذ المفعول، ثم طلب من الأمين العام تسجيل موافقة المجلس على مشروع القانون بعد تعديله، إلا أن  النائب أحمد الخطيب اقترح ان تكون هناك لجنة من الحكومة والمجلس لتقوم بدراسة الموضوع، و رد عليه رئيس المجلس بأن هناك اقتراح مقدم في سحب هذا القانون وأيده في ذلك معظم الأعضاء إلا أنه قوبل في اعتراض النائب أحمد الفوزان بعدم السحب وشاطره في ذلك الشيخ مبارك الأحمد الذي بين أن القانون يجب أن يصدر أما اللجان غير مجدية وقد تأتي بنتائج عكسية فالقصد هو أن يكون الوكيل والوكيل مساعد كويتيين أصليين وهذا ما حصل ولماذا نرجع ونجدد النقاش.

وبعد ذلك حدثت ضجة كبيرة بين السادة الأعضاء بين موافق وغير موافق على مشروع القانون إلا أنه المجلس وافق على مشروع القانون المذكور بعد التعديل الذي أجرته اللجنة.

ختاماً أرجوا المعذرة في الإطالة خاصة وأن الاقتباس من محاضر المجلس التأسيسي ونشر مداولاته لا يمكن تجزئتها لما تمثله من تاريخ مهم في الكويت وهو مرجعنا اليوم لمعرفة حقيقة تلك الرواية التي أسلفنا فيها في بداية هذا البحث والتي من الممكن أن تصل بنا إلى نتيجة لا يمكن إنكارها وهو أن القانون بالفعل صدر من المجلس التأسيسي إلا أن صاحب السمو رفض مصادقته لاعتبارات رآها في مصلحة الكويت ، وكما هو بين أيضاً أن القانون بعد تعديله أيضاً لم يصادق عليه إلا أنه وضع في المذكرة التفسيرية للدستور كما جاء في الفقرة الثانية من المذكرة التفسيرية (أما من عدا الوزراء من كبار الموظفين كوكلاء الوزارات والوكلاء المساعدين فليس الدستور مجال تحديد شروطهم كما فعل بالنسبة للوزراء وإنما مجال ذلك هو قانون التوظف العادي) وهذا النص بهذا الشكل يبين مدى الخلاف الذي دار في محاضر جلسات المجلس التأسيسي، وانتهى ذلك الخلاف بعد انتهاء المجلس التأسيسي ولم يقر قانون أو تنظيم يترتب عليه شروط تولي المناصب القيادية سوى ما تم ذكره سلفاً في بداية المقال.



Leave a comment

About Me

اخوكم المحامي جاسم عبدالرحمن العبدلي -من دولة الكويت – لدي بعض المقالات المتخصصة في القانون الاداري وكذلك قانون الخدمة المدنية وتعديلاته ونشرت في جريدة الجريدة – وأصدرت كتاب اسمه موظف القطاع العام تعرف على القانون المطبق عليك – يخدم فيه الموظفين بشكل عام

رسائل إخبارية